فخر الدين الرازي

207

المطالب العالية من العلم الإلهي

لأنا نقول : إن أبا بكر ترك التجارة بالكلية ، واشتغل بخدمة النبي . وفي زمان الإمامة ، كان مقدم الأمة ، والمرجوع إليه في حل المشكلات ، وإزاحة المعضلات . فكان هو أولى بالرواية . فحيث لم يفعل ذلك ، علمنا أن تركه هذه الروايات كان أولى . باتفاق أكابر الصحابة . وحينئذ يتوجه الطعن في أبي هريرة . الوجه الرابع في تقرير هذا الطعن : إنه ليس في جملة الأخبار الصحيحة خبر أظهر ولا أشهر عند المحدثين من الخبر المشتمل على شرح الإسلام والإيمان والإحسان . ثم إنه اضطرب هذا الخبر ، اضطرابا شديدا ، بسبب ما فيه من الزيادات والنقصانات . ونحن نذكر القدر الذي ذكره الشيخ أبو بكر الجوزقي في كتابه الذي سماه بالمتفق بين الشيخين . وهو أول خبر أورده في ذلك الكتاب . فروى بإسناده عن أبي زرعة ، عن أبي هريرة قال : بينا رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلّم ، يوما بارزا للناس . فأتاه رجل . وقال يا رسول اللّه : ما الإيمان ؟ قال : الإيمان أن تؤمن باللّه وملائكته ورسله ولقائه . وتؤمن بالبعث الآخر . قال يا رسول اللّه : ما الإسلام ؟ قال : أن تعبد اللّه لا تشرك به شيئا ، وتقيم الصلاة المكتوبة ، وتؤدي الزكاة المفروضة ، وتصوم رمضان . قال يا رسول اللّه : ما الإحسان ؟ قال : أن تعبد اللّه كأنك تراه ، فلو أنك لا تراه . فإنه يراك . قال يا رسول اللّه : متى الساعة ؟ قال : ما المسؤول عنها بأعلم من السائل . وأحدثك عن أشراطها : إذا ولدت الأمة ربتها ، فذلك من أشراطها ، وإذا رأيت الحفاة العراة رؤوس الناس ، فذلك من أشراطها . وإذا تطاول رعاة الغنم في البنيان ، فذاك من أشراطها . في خمس لا يعلمهن إلا اللّه . وتلا : إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ « 1 » . قال الشيخ أبو بكر الجوزقي مصنف كتاب المتفق بين الشيخين : هذا الحديث ما اجتمع الشيخان على صحته ، وله طرق . في بعضها زيادات .

--> ( 1 ) سورة لقمان ، آية : 34 .